سيد محمد طنطاوي
34
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
حذف مضاف ، والمضاف المحذوف مفعوله الأول و * ( مَنازِلَ ) * مفعوله الثاني . وقرأ الحرميان وأبو عمرو : * ( والْقَمَرَ ) * بالرفع ، على الابتداء ، وجملة * ( قَدَّرْناه ) * خبره . والمنازل : جمع منزل ، والمراد به المسافة التي يقطعها القمر في يوم وليلة « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) * تصوير بديع لحالة القمر وهو في آخر منازله . والعرجون : هو قنو النخلة ما بين الشماريخ إلى منبته منها ، وهو الذي يحمل ثمار النخلة سواء أكانت تلك الثمار مستوية أم غير مستوية . وسمى عرجونا من الانعراج ، وهو الانعطاف والتقوس ، شبه به القمر في دقته وتقوسه واصفراره . أي : وصيرنا سير القمر في منازل لا يتعداها ولا يتقاصر عنها ، فإذا صار في آخر منازله ، أصبح في دقته وتقوسه كالعرجون القديم ، أي : العتيق اليابس . قال بعض العلماء : والذي يلاحظ القمر ليلة بعد ليلة . يدرك ظل التعبير القرآني العجيب * ( حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) * وبخاصة ظل ذلك اللفظ « القديم » . فالقمر في لياليه الأولى هلال . وفي لياليه الأخيرة هلال . ولكنه في لياليه الأولى يبدو وكأن فيه نضارة وقوة . وفي لياليه الأخيرة يطلع وكأنما يغشاه سهوم ووجوم ، ويكون فيه شحوب وذبول . ذبول العرجون القديم . فليست مصادفة أن يعبر القرآن عنه هذا التعبير الموحى العجيب « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ، ولَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ، وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) * بيان لدقة نظامه - سبحانه - في كونه ، وأن هذا الكون الهائل يسير بترتيب في أسمى درجات الدقة ، وحسن التنظيم . أي : لا يصح ولا يتأتى للشمس أن تدرك القمر في مسيره فتجتمع معه بالليل . وكذلك لا يصح ولا يتأتى الليل أن يسبق النهار ، بأنه يزاحمه في محله أو وقته ، وإنما كل واحد من الشمس والقمر ، والليل والنهار ، يسير ، في هذا الكون بنظام بديع قدره اللَّه - تعالى - له ، بحيث لا يسبق غيره ، أو يزاحمه في سيره . قال الإمام ابن كثير : قوله - تعالى - : * ( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) * قال
--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 23 ص 16 . ( 2 ) تفسير في ظلال القرآن ج 23 ص 25 .